الثقافة

منفوحة.. حين يصبح الاسم وثيقةً للتاريخ والهوية

الرياض – وائل العتيبي:

نجحت الندوة الثقافية «منفوحة تبحث عن اسمها القديم» في تحويل سؤالٍ تاريخي عن أقدم أسماء منفوحة إلى قراءة معرفية أوسع في هوية المكان وذاكرته، بعدما خلصت إلى أن المصادر التاريخية لا تشير إلى اسمٍ سبق «منفوحة»، بل تنشغل بتفسير أصل التسمية التي بقيت حاضرة في المدونات التاريخية والشواهد الأدبية عبر القرون.

ونظم مركز سرد الثقافي الندوة بالتعاون مع أمانة منطقة الرياض وديوانية آل حسين التاريخية، ضمن السلسلة التاريخية «ذكريات من بلدة منفوحة»، لتعيد قراءة تاريخ إحدى أعرق بلدات اليمامة من خلال العلاقة بين الاسم والجغرافيا واللغة والذاكرة، مؤكدة أن أسماء المدن ليست مجرد إشارات جغرافية، بل وثائق تاريخية تحفظ هوية المجتمعات واستمراريتها عبر الزمن.

وأكد المتحدث في الندوة، الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الفيصل، أن المصادر التاريخية الموثقة لا تذكر اسمًا أقدم لمنفوحة، وإنما تفسر نشأة اسمها. واستعرض ما أورده ياقوت الحموي في كتاب «معجم البلدان» من أن جماعة من بني قيس بن ثعلبة نزلوا بجوار بني حنيفة، فـ«نفح» لهم بنو حنيفة جزءًا من الأرض، فسُميت البلدة منفوحة.

وأوضح أن جوهر القضية يكمن في التمييز بين سؤالين مختلفين: هل كان لمنفوحة اسم سابق؟ وكيف نشأ اسمها؟ فالمصادر التاريخية تجيب عن السؤال الثاني، لكنها لا تقدم دليلًا على وجود تسمية سبقت الاسم الذي ظل حاضرًا في المصادر عبر العصور.

ولم يقتصر توثيق منفوحة على كتب التاريخ والجغرافيا، بل حضرت أيضًا في الشعر الجاهلي، إذ ورد اسمها في شعر الأعشى ميمون بن قيس، في شاهد أدبي يؤكد رسوخ الاسم في الذاكرة العربية قبل الإسلام، ويعزز مكانته بوصفه أحد أقدم الأسماء المستمرة في جغرافية اليمامة.

وخلصت الندوة إلى أن السؤال الأجدر بالطرح ليس: ما الاسم القديم لمنفوحة؟ وإنما: ما التاريخ الذي يحمله اسم منفوحة؟ فالأسماء الجغرافية ليست مجرد دلالات مكانية، بل أوعية للذاكرة الجماعية ووثائق تحفظ تحولات المجتمعات واستمرارية الهوية عبر الزمن.

كما استعرضت الندوة التحولات التي شهدتها منفوحة، من قرية تاريخية في اليمامة ووادي حنيفة إلى حيٍ في مدينة الرياض، مع احتفاظها باسمها الذي ظل شاهدًا على استمرارية المكان رغم تغير العمران وتعاقب الأزمنة.

وتناولت كذلك أبرز الدراسات التي أرخت للبلدة، وفي مقدمتها كتاب «منفوحة في عهد الدولة السعودية الأولى والثانية» للباحث راشد بن محمد بن عساكر، الذي وثق تاريخها ومعالمها وحياتها الاجتماعية والاقتصادية والزراعية.

وتوقفت الندوة عند الدور الثقافي الذي تؤديه ديوانية آل حسين التاريخية، بوصفها إحدى أقدم المجالس في الرياض وامتدادًا لذاكرة منفوحة الاجتماعية، بما تمثله من فضاء للحوار وتبادل المعرفة وحفظ التاريخ المحلي.

وأدار الندوة الدكتور أحمد الشهري، الأكاديمي والكاتب والباحث في العلاقات الدولية، حيث أضفى تنوع التخصصات على الحوار بعدًا معرفيًا جمع بين التاريخ والأدب والجغرافيا والهوية، مؤكدًا أن قراءة المدن لا تكتمل إلا باستحضار الإنسان واللغة والذاكرة، وأن فهم المكان يتجاوز سرد الوقائع إلى قراءة دلالاته الثقافية والحضارية.

واختتمت الندوة بالتأكيد على أن منفوحة لا تبحث عن اسمٍ مفقود، بل تستعيد تاريخًا يسكن اسمها؛ فبعض المدن تحفظ ذاكرتها في آثارها، بينما حفظت منفوحة تاريخها في اسمٍ تحول من دلالة جغرافية إلى وثيقة تاريخية حية، تختصر سيرة مكان ظل حاضرًا في الذاكرة رغم تعاقب الأزمنة وتبدل العمران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى