أبوظبي – خالد الجعيد:
يسرّ آيرس بروجيكتس أن يقدّم أول معرض فردي للفنانة شمسة العميرة وهي فنانة ومصممة متعددة التخصصات تقيم في أبوظبي. يحمل المعرض عنوان “صلبة كالدموع؛ لينة كالزجاج”، ويُعد أول معرض فردي لها منذ عام 2012.
يأتي هذا المعرض ضمن برنامج آيرس بروجكتس، حيث خضعت العميرة على مدى عام كامل لبرنامج إرشاد فني بإشراف القيّمة والناقدة الفنية المقيمة في الإمارات نادين خليل، ما أسهم في تطوير ممارستها الفنية وتجريبها لوسائط جديدة، من بينها الأعمال الخشبية، والتطريز، وأعمال التركيب الفني.
يتناول المعرض، من تنظيم نادين خليل، موضوعات تشمل العائلة، والفجوات بين الأجيال، والطفولة، وازدواجية اللغة. تتمحور العديد من الأعمال حول التجارب الشخصية للفنانة وموضوع العائلة؛ إذ نشأت العميرة، وهي الثانية من الأصغر بين عشرة أبناء، في بيئة منزلية مكتظة بالأصوات، ما شكّل وعيها بمعنى التعبير عن صوت واضح وأصيل. يفتح المعرض أبوابه للجمهور في 23 يناير 2026، ويستمر حتى 30 أبريل 2026.
وقالت مريم الفلاسي، مؤسسة آيرس بروجيكتس: “يجسّد معرض صلبة كالدموع؛ لينة كالزجاج قدرة شمسة العميرة الفطرية على تحويل التجارب الشخصية العميقة إلى أشكال مادية ملموسة. وقد تطوّر هذا المشروع من خلال برنامج إرشاد استمر عامًا بدعم من المعرض، وجاء عقب عرض أعمالها في الدورة الأخيرة من أبوظبي آرت، ليضع هذا المعرض الفردي العميرة في موقع متقدم بين أبرز الفنانات الصاعدات في المشهد الفني في المدينة اليوم.”
تشغل موضوع الازدواجية موقعًا محوريًا في أعمال شمسة العميرة. فمصادر الأمان والراحة، مثل أغطية الطفولة وذكريات حلوى الجِلي، تتحول إلى منحوتات تبدو ناعمة في ظاهرها، لكنها مشبعة برموز خفية أو مباشرة للأذى، من خلال شظايا السيراميك والزجاج. وكأن الفنانة تطرح تساؤلًا حول البُنى الهشّة التي تُمسك بالطفولة، وكيف يمكن أن تتصدع.
يتخيل عمل “ما نحتفل به” مشهدًا لطاولة حلويات تضم الكريم كراميل، والأرز بالحليب، والجِلي خلال شهر رمضان، في إشارة إلى وعد الإفطار بعد الصيام. تُقدَّم هذه الأعمال بدرجات مختلفة من الأحمر السكّري، غير متأثرة بالشظايا الحادة المغمورة داخلها، في إيحاء بجرح خفي، بينما يبعث عمل “أكياس الجلد” (2022)، الذي يعيد تصور سرير من عدم الراحة، برسالة مفادها أن ما انكسر لا يمكن إصلاحه.
من خلال المادّة، تتصلّب نعومة الملمس، ويتحوّل الدفء إلى برودة. وفي سلسلة الدموع الباردة، قطرات مجمّدة بالريزن (مادة صمغية) فوق مرايا عاكسة تُؤرشف السنة الماضية من لحظات السعادة بين عيد ميلادٍ وآخر (مع تاريخ ووقت حدوث كل لحظة)، تستند العميرة إلى مثلٍ عربي يصوّر دموع الفرح على أنها باردة—على نحوٍ يذكّر بتعبير “يدٌ باردة وقلبٌ دافئ”. تتطوّر هذه السلسلة من عملٍ سابق هو “نمط البكاء” (2021) الذي يوثّق عامًا من الحداد العائلي. كلا العملين يتساءلان عن آليات صون الذات في طقوس إحياء الحزن والفرح.
في صميم ممارسة العميرة تكمن هذه الازدواجية اللغوية كما تتجلّى في العاطفة والشكل. قمرٌ خمريّ اللون يخفي اعترافاتٍ خاصة بحضورٍ رحميّ، منبثقًا من لوحات “مقنّع وموسوم” –2023 (حتى الآن) ذات الدوائر التأملية الشبيهة “بالزن”، بوصفه فعل محو. ويغدو فعل التوسيم مزدوجًا حين يتكوّن من كتابةٍ يوميّة تُطمس لاحقًا. وكجزءٍ من أعمال “مخفى 17” في هذا المعرض، تُنسِّل تحت الدانتيل عبارة “بغمّض عيوني”، حيث يشير الدانتيل إلى فعل عدم الرؤية أو طمس ما هو قائم.
تسلّط العميرة الضوء على تهويدة كانت والدتها تغنيها لها بعنوان شمس، وهو اسمها المدلّل. تُعرض التهويدة على هيئة عقد تطريز معكوسة على ظهر قماش ملطخ بدموع من الراتنج، كنص حميمي عن جوهرة ثمينة يتخلى عن مقروئيته. وكما يُتخيَّل أداء التهويدة، فإن هذه الأعمال لا تصرخ، بل تهمس، تُخفي الكلمات وتجزّئها — حقائق قاسية تُترك لغيرها كي يفك شيفرتها. ومع صدى التآكل الصامت المصاحب لمراقبة والد يتقدم في العمر، يتحول العمل إلى فعل تشابك بين صوت الفنانة وأغنية والدتها — احتفاظًا بما يمكن الاحتفاظ به، والسماح لما تبقى بأن يتلاشى.
تعمل جلود الغزلان كتحية حسية لوالدها. ففي عمل Withheld تشير الفنانة إلى الوقت الذي قضته معه في تربية الغزلان في مزرعة العائلة، حيث تنشأ علاقة تتجاوز اللغة بين الأب وابنته. وهنا يطفو سؤال الحفاظ على قدسية العائلة بصيغ أكثر تجريدًا وحسية. ترسم خيوط التطريز ملامح صور طفولة للفنانة مع والدها، منقولة على جلد الحيوان. وتُشبه هذه العلامات المطرّزة ندوب الجدري — مواضع ينمو فيها الجلد بإفراط في محاولة للشفاء. ومن العينين والفم، من مواضع الرؤية والكلام، تتجسد هذه العلامات كدموع مرئية على جلد ناعم قابل للانثناء.
جميع الأعمال المعروضة في هذه السلسلة هي أعمال جديدة، ويستمر المعرض حتى 30 أبريل 2026 في آيرِس بروجيكتس، استوديو 20، M_39، ميـزا، أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة.
