رحلوا .. وبقيت أرقامهم

بقلم – جلال عبدالرحمن الخطيب:
مستشار العلاقات العامة

في لحظة هدوء، فتحت هاتفي اليوم .. لأجري اتصالًا، ولأرد على رسالة، بل لأتصفح ما تبقى من رائحة الأحباب.

مررتُ إصبعي على قائمة الأسماء، فتوقفتُ عند أسماءٍ أعرف أنني لن أسمع أصواتها مجددًا. أسماءٌ غادرت أرواحها الدنيا، لكن أرقامها ما زالت محفوظة في ذاكرة الهاتف… وذاكرة القلب.

كم هو غريب هذا العصر؛
نحمل أحبّتنا في جيوبنا، وتبقى أسماؤهم مضيئة على الشاشات، بينما هم في عالمٍ آخر، ينتظرون دعوة صادقة، أو صدقة جارية، أو ذكرًا طيبًا لا ينقطع.

أسماءٌ كانت تملأ حياتنا صخبًا وضحكًا، تشاركنا تفاصيل الأيام الصغيرة قبل الكبيرة، واليوم أصبحت “أرقامًا” صامتة.
لا ترد على اتصال، ولا يصلها إشعار “واتساب”، لكنها تحضر في قيام الليل، وتُذكر في أدعية السَّحر، وتطل علينا في ملامح أبنائها وأحفادها.

منهم قريبٌ شاركنا المائدة، ومنهم صديقٌ قاسمنا الطموح، ومنهم جارٌ ترك في القلب أثرًا لا يُنسى. رحلوا فجأة أو بعد معاناة، لكنهم جميعًا تركوا فراغًا لا يملؤه إلا الرضا بقضاء الله، واليقين بلقاءٍ في دارٍ لا فراق فيها.

ومع شهر الرحمة، نستشعر معنى الفقد أكثر. نتساءل: كم اسمًا في هواتفنا لن يدرك معنا رمضان؟ وكم رقمًا لن يرنّ مرة أخرى؟

لكن عزاءنا أن العلاقة لا تنقطع بالموت، بل تتحول من حديثٍ مباشر إلى دعاءٍ خفي، ومن لقاءٍ في الدنيا إلى أملٍ بلقاءٍ في جنات النعيم.

رسالتي لكل من يقرأ:
إذا مررتَ يومًا على اسمٍ غاب صاحبه، فلا تمسحه من قائمتك قبل أن تهديه دعوة صادقة.
اجعل ذكراهم حيّة في صدقاتك، وفي استغفارك، وفي برّ من كانوا يحبون.

اللهم ارحم من غابوا عنا، واغفر لهم، ونوّر قبورهم، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك.
وأطل في أعمار من بقي من الأوفياء على طاعتك، ولا تُرينا فيهم مكروهًا.

رحلوا… وبقيت أرقامهم،
لكن الأجمل أن تبقى أعمالهم حيّة، وذكراهم عامرة في القلوب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back To Top