الثقافة

700 أغنية لم تطفئها السنوات.. فوزي محسون يعود من “حارة الشام” إلى ذاكرة جدة

جدة – وائل العتيبي:

بعد سنوات من رحيله، لا يزال أسم الفنان والملحن السعودي فوزي محسون حاضرًا في ذاكرة الأغنية السعودية؛ فالرجل الذي ارتبط اسمه بجدة وموروثها الغنائي ترك وراءه رصيدًا يقدّر بنحو 700 أغنية بين أعمال غناها بصوته وألحان قدمها لأصوات أخرى. وفي أمسية موسيقية غنائية بعنوان «سيد الشجن»، أعادت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة تجربته إلى الواجهة، بحضور مدير عام فرع وزارة الإعلام الأستاذ عبدالخالق الزهراني، وعدد من الفنانين والمثقفين والمهتمين، في احتفاء بفنان تجاوز حضوره حدود الصوت واللحن ليصبح جزءًا من ذاكرة مدينة ومرحلة مهمة من تاريخ الأغنية السعودية.

وجاءت الأمسية ضمن اهتمام الجمعية بتوثيق تجارب رواد الفن السعودي واستعادة إرثهم أمام الأجيال الجديدة، انطلاقًا من أن الذاكرة الفنية لا تُصان بمجرد استعادة الأسماء، وإنما بإعادة قراءة التجارب التي أسهمت في تشكيل الوجدان الجمعي، واستكشاف أثرها في المشهد الثقافي والفني الراهن.

ويحمل محسون في الذاكرة الفنية أكثر من وصف؛ فهو «سيد الشجن» و«ضمير الأغنية الجداوية»و«سيد درويش الأغنية السعودية»، وهي ألقاب تكشف عن تجربة اتخذت من جدة وبيئتها الشعبية مصدرًا للإلهام، ومن الموروث الحجازي مادة لإعادة الصياغة، ومن الحس الإنساني أساسًا لبناء ألحانه.

الفنان والملحن الراحل فوزي محسون
الفنان والملحن الراحل فوزي محسون

وخلال الأمسية، استعاد المهندس خالد فوزي محسون، نجل الفنان الراحل، محطات من سيرة والده، متوقفًا عند طفولته وبدايات علاقته بالموسيقى، والبيئة التي تشكل فيها وجدانه الفني، إلى جانب مواقف وحكايات إنسانية وفنية صاحبت مسيرته، وعلاقاته بعدد من الشعراء والفنانين الذين شاركوا في صناعة مرحلة مؤثرة من تاريخ الأغنية السعودية.

بدأت حكاية محسون من حارة الشام في جدة، حيث ولد ونشأ وسط بيئة شعبية تركت أثرًا واضحًا في تكوينه الفني. ومنذ سنواته المبكرة، كان شغفه بالموسيقى يتجاوز حدود الهواية؛ فاقترب من الآلات والمقامات، ووسّع معارفه بالاستماع إلى الأسطوانات وقراءة الأدب والشعر، حتى تبلورت موهبته وأصبح أحد أبرز الملحنين السعوديين.

ولم تكن رحلته الفنية سهلة؛ فقد عمل في مصلحة البريد لأكثر من ثلاثة عقود، فيما ظل الفن مشروعه الموازي، وسعى إلى الوصول إلى الإذاعة، قبل أن تأتي بدايته الجماهيرية عبر التلفزيون، ثم تعتمد الإذاعة اسمه عام 1966م مطربًا وملحنًا من الدرجة الأولى.

ويُقدّر رصيد محسون بنحو 700 أغنية بين ما غناه بصوته وما قدمه من ألحان لأصوات أخرى. وكانت «نور الصباح» من أوائل ألحانه، قبل أن تتسع تجربته وتتصل بأسماء بارزة في الشعر والغناء السعودي.

وفي تعاونه مع الشاعرة ثريا قابل تشكل واحد من أبرز الثنائيات الإبداعية في الأغنية السعودية، وأثمرت شراكتهما عددًا من الأعمال التي رسخت في الذاكرة، من بينها «حاول كده وجرب»، و«ما عشقت غيرك»، و«مهما عني تغيب»، و«أهو يقول لك»، إلى جانب أعمال أخرى تغنى بها كبار الفنانين.

كما شكل مع الشاعر صالح جلال تجربة فنية وإنسانية لافتة، أثمرت أعمالًا مثل «مشاوير الهوى»، و«عتبي عليك»، و«سبحانه وقدروا عليك»، و«شوية حب»، و«روح احمد الله»، و«من سنين»، و«أبغى تذكار»، وغيرها من الأغنيات التي حملت ملامح محسون اللحنية وحسّه الوجداني.

وكان الفنان طلال مداح من أبرز الأصوات التي حملت ألحان محسون إلى الجمهور، فيما امتدت ألحانه إلى أصوات سعودية أخرى، من بينها محمد عبده في «لا لا وربي» و«هنوا العروسة»، إلى جانب أسماء فنية أخرى استفادت من تجربته اللحنية.

غير أن قيمة محسون لا تختزل في عدد أعماله، بل في علاقته الخاصة بالموروث؛ فقد تعامل مع التراث الغنائي بوصفه مادة حية قابلة للتجديد، واستلهم ألوانًا من التراث الحجازي والسعودي، ومنها المجرور والدانات، وأعاد تقديمها في صيغ موسيقية حديثة، محافظًا في الوقت ذاته على روحها وهويتها.

ومن هنا تتضح دلالة ألقابه؛ فـ«ضمير الأغنية الجداوية» يعكس عمق صلته بالمكان، بينما يلخص «سيد الشجن» قدرته على تحويل العاطفة إلى بناء لحني، فيما يعكس لقب «سيد درويش الأغنية السعودية» نزوعه إلى التجديد وتأثيره في مسار الأغنية المحلية.

ولم تبق أصداء تجربته داخل حدود الساحة السعودية، إذ ارتبط اسمه بعلاقات وحكايات فنية مع رموز عربية، من بينها أم كلثوم وبليغ حمدي، بما يكشف عن انفتاح تجربته على المشهد الموسيقي العربي، وقدرة الأغنية الحجازية على التواصل مع محيطها الأوسع دون أن تفقد خصوصيتها.

وفي الأمسية، أعاد الفنان محمد السلطان تقديم عدد من أغاني محسون، لتستعيد الألحان حضورها الحي أمام الجمهور، وتتقاطع الحكاية مع الموسيقى، والذاكرة مع الأداء؛ في ليلة أكدت أن أعمال محسون لم تتحول إلى مجرد تسجيلات من الماضي، وإنما ظلت قابلة لاستعادة حضورها كلما وجدت صوتًا يعيد تقديمها.

وفي ختام الأمسية، كرّم مدير الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة محمد بن إبراهيم آل صبيح الفنان الراحل، مقدمًا الميدالية الذهبية للجمعية إلى نجله المهندس خالد فوزي محسون، كما كرّم المشاركين في الأمسية تقديرًا لإسهامهم في هذه الليلة الوفائية.

وأكد آل صبيح أن الجمعية ماضية في الاحتفاء برواد الحركة الفنية والثقافية، واستحضار تجاربهم أمام الأجيال الجديدة، وفتح المساحات أمام الفنانين الشباب للتعرف على النماذج التي أسهمت في صناعة المشهد الفني السعودي، بما يتيح لهم الانطلاق من معرفة الجذور نحو تجاربهم الخاصة.

ورحل فوزي محسون، لكن ألحانه بقيت جزءًا من الذاكرة الغنائية السعودية، وبقيت جدة حاضرة في تفاصيلها وإيقاعاتها ومزاجها. ولعل تعدد ألقابه لم يكن مبالغة في وصف فنان، بقدر ما كان محاولة للاقتراب من أثره؛ «سيد الشجن» في وجدانه، و«ضمير الأغنية الجداوية» في علاقته بالمكان، و«سيد درويش الأغنية السعودية» في نزوعه إلى التجديد.

وهكذا، فإن استعادة محسون لا تعني استحضار فنان من الماضي فحسب، بل إعادة قراءة مرحلة كاملة من تاريخ الأغنية السعودية؛ مرحلة كان فيها اللحن وسيلة لحفظ الذاكرة، وكان التراث مادة للإبداع، وكانت جدة، بحكاياتها وتنوعها وثرائها، واحدة من أهم منابع الصوت السعودي الذي خرج من «حارة الشام» إلى فضاء الوطن، ثم ترك صداه يتردد في الذاكرة حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى