الثقافة

من المقهى إلى الفضاء العام.. “الشريك الأدبي” يختتم بتوسيع خريطة الثقافة السعودية

الرياض – وائل العتيبي:

لا يختتم «الشريك الأدبي» نسخته الخامسة بحفلٍ يُسدل الستار على عامٍ من الفعاليات فحسب، بل يحتفي بمسارٍ ثقافي أخذ يتسع تدريجيًا من سؤال حضور الأدب إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن أن يصبح الأدب جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، لا نشاطًا معزولًا داخل القاعات والمؤسسات؟

وفي هذا السياق، تستعد هيئة الأدب والنشر والترجمة لتنظيم الحفل الختامي لمبادرة «الشريك الأدبي» في نسختها الخامسة (2025 – 2026)، مساء الجمعة 24 يوليو، في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين وشركاء المبادرة وممثلي الجهات الثقافية والإعلامية، في أمسية تستعيد منجز عام ثقافي، وتقرأ أثر مبادرة عملت على توسيع المسافة بين الأدب والجمهور.

وتأتي النسخة الخامسة في لحظة لافتة من تطور المبادرة؛ إذ لم يعد حضور الأدب مرتبطًا بمسار واحد أو فضاء محدد، بعدما انتقلت المبادرة من التركيز على المقاهي إلى بناء شبكة أوسع من البيئات الثقافية والاجتماعية. فقد شهدت هذه النسخة استحداث أربعة مسارات جديدة شملت أندية الهواة الثقافية، والجمعيات، ودور النشر، والمساحات المشتركة، في توسع يعكس تحولًا من تنشيط الفعاليات الأدبية إلى بناء منظومة متعددة المنافذ لحضور الثقافة في المجتمع.

ويحمل هذا التوسع دلالة تتجاوز الأرقام واتساع نطاق الشراكات؛ فهو يعكس انتقال الأدب من كونه ممارسة نخبوية مرتبطة بمؤسساتها التقليدية إلى كونه عنصرًا قابلًا للحضور في فضاءات اجتماعية متنوعة، حيث يلتقي القارئ بالكاتب، والكتاب بالجمهور، والفكرة بالمكان. ومن هنا، تبدو المبادرة جزءًا من التحول الأوسع الذي يشهده المشهد الثقافي السعودي، حيث لم تعد الثقافة تُقدَّم بوصفها منتجًا يُستهلك فحسب، بل بوصفها ممارسة اجتماعية تتشكل عبر التفاعل والمشاركة والشراكة.

وأكد الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة، الدكتور عبد اللطيف بن عبد العزيز الواصل، أن مبادرة «الشريك الأدبي» أصبحت نموذجًا وطنيًا يبرز نجاح الشراكة بين الهيئة والقطاعين الخاص وغير الربحي في دعم الحراك الأدبي، مشيرًا إلى أن النسخة الخامسة حققت أثرًا نوعيًا في تعزيز حضور الأدب في الفضاءات العامة، وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية، وترسيخ الثقافة بوصفها جزءًا من الحياة اليومية.

ويتضمن الحفل عرضًا مرئيًا يوثق مسيرة المبادرة وأبرز محطاتها ومنجزاتها، إلى جانب تكريم الشركاء وتتويج الفائزين بجوائز مالية يتجاوز مجموعها مليون ريال.

وتتأسس المبادرة على رؤية تتجاوز إقامة الفعاليات إلى إعادة بناء العلاقة بين الفرد والثقافة؛ من خلال تعزيز قيمة الأدب في الحياة اليومية، وجعل الثقافة أسلوب حياة، وتوسيع دور مؤسسات القطاع الخاص وغير الربحي في النهوض بالقطاع الثقافي، وإلهام الأفراد للإنتاج الأدبي والثقافي، إلى جانب دعم انتشار الكتاب السعودي محليًا وعالميًا، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنمية القطاع الثقافي وتعزيز حضوره المجتمعي.

ومن المنتظر أن يشكل الحفل الختامي مساحة لاستعادة قصص النجاح التي صنعتها المبادرة خلال عامها الخامس، والاحتفاء بشركائها ومنجزاتها، لكنه سيكون، في الوقت ذاته، محطة للتأمل في التحول الذي أحدثته المبادرة في مفهوم الشراكة الثقافية؛ فالأدب هنا لا ينتظر جمهوره في مكان واحد، بل يذهب إليه حيث يوجد، في المقهى والنادي والجمعية ودار النشر والمساحة المشتركة.

وبهذا المعنى، يختتم «الشريك الأدبي» عامه الخامس وهو يرسخ فكرة أن ازدهار الأدب لا يتوقف على ما تنتجه المؤسسات الثقافية وحدها، بل على قدرتها على فتح مساحات جديدة للقاء الكتاب بالناس، وتحويل الثقافة من حدث عابر إلى حضور متصل في نسيج الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى