من يكتب التاريخ وهو ما يزال يحدث؟.. زهير الشهري يطرح رؤية جديدة لتحويل الماضي إلى أداة لصناعة المستقبل
الرياض – وائل العتيبي:
في عصر لم يعد ينتظر فيه العالم سنوات طويلة كي يفهم أحداثه، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على المؤرخين وصناع المعرفة: هل يظل التاريخ علماً يروي ما انتهى، أم يتحول إلى أداة لفهم ما يحدث الآن واستشراف ما سيأتي؟
هذا السؤال يشكل المحور الرئيس لكتاب «التاريخ الراهن والتاريخ التطبيقي.. الأدوات والتجارب من الفهم إلى الابتكار» الصادر حديثاً للمؤرخ والأكاديمي السعودي أ.د. زهير بن عبدالله الشهري، الذي يقدم قراءة تتجاوز الحدود التقليدية للدراسات التاريخية نحو آفاق أكثر ارتباطاً بالواقع والتحولات المتسارعة التي يعيشها العالم.
فالكتاب لا ينظر إلى التاريخ باعتباره أرشيفاً ضخماً للوقائع الماضية، بل بوصفه معرفة حية تمتلك القدرة على تفسير الحاضر والمساهمة في صناعة المستقبل، في وقت تتداخل فيه الأحداث مع الإعلام والذاكرة الجماعية والتقنيات الحديثة بصورة غير مسبوقة.
وينطلق الشهري من واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش في الحقل التاريخي المعاصر، وهي قضية «التاريخ الراهن»، ذلك الاتجاه الذي يرى أن المؤرخ لم يعد مطالباً فقط بدراسة الأزمنة البعيدة، بل بفهم الأحداث الجارية وتحليلها أثناء تشكلها. ويستعرض الكتاب الجدل الفكري الذي رافق هذا التوجه بين المدارس التجديدية التي دعت إلى توسيع حدود العمل التاريخي، والمدارس التقليدية التي رأت أن التاريخ يحتاج دائماً إلى مسافة زمنية تضمن الموضوعية والدقة.
كما يرصد المؤلف مواقف عدد من المدارس الأوروبية والتجارب العالمية الحديثة التي أسهمت في ترسيخ مفهوم التاريخ الراهن، ويبحث في مصادره الجديدة التي لم تعد تقتصر على الوثائق والأرشيفات، بل امتدت إلى الإعلام والذاكرة الحية والشهادات المعاصرة والفضاء الرقمي، ما يعكس التحولات العميقة التي طرأت على إنتاج المعرفة التاريخية في العقود الأخيرة.
وفي القسم الآخر من الكتاب يتناول الشهري مفهوم «التاريخ التطبيقي»، أحد أكثر الاتجاهات نمواً في الدراسات التاريخية الحديثة، والذي يسعى إلى توظيف الخبرة التاريخية في معالجة القضايا الراهنة، ودعم صناعة القرار، والمساهمة في بناء السياسات العامة، واستشراف السيناريوهات المستقبلية.
ولا يكتفي الكتاب بعرض المفهومين كل على حدة، بل يقدم مقارنة تحليلية بينهما، موضحاً مناطق التداخل والتكامل، ومقترحاً رؤية تجعل من التاريخ الراهن والتاريخ التطبيقي مجالين متكاملين قادرين على إعادة تعريف دور المؤرخ في المجتمع المعاصر.
ومن أكثر الجوانب ثراءً في العمل ما يطرحه المؤلف من «مختبرات تاريخية» وأفكار تتجاوز الإطار الأكاديمي التقليدي، حيث يناقش الذاكرة التاريخية، وتكرار الظواهر، ودورات التاريخ، وعودة التاريخ إلى واجهة الأحداث العالمية، والتعافي من الأمراض التاريخية، إضافة إلى أدوار المؤرخ في أزمنة الأزمات الكبرى، مستحضراً تجربة جائحة كورونا بوصفها نموذجاً كشف الحاجة إلى قراءة تاريخية أكثر التصاقاً بالواقع.
ويبدو الكتاب في جوهره دعوة إلى مراجعة الصورة النمطية للمؤرخ، إذ يدافع عن فكرة أن المؤرخ المعاصر لم يعد مجرد ناقل للماضي أو حارس للوثائق، بل يمكن أن يكون محللاً ومفسراً وشريكاً في إنتاج الوعي العام، ومسهماً في بناء قرارات أكثر رشداً واستنارة.
وتنبع أهمية هذا الطرح من كونه يأتي في مرحلة تشهد تحولات عالمية متسارعة، تتزايد فيها الحاجة إلى أدوات معرفية قادرة على فهم التعقيد وتفسير التغيرات الكبرى. وفي هذا السياق يقدم الشهري التاريخ باعتباره مورداً استراتيجياً للفهم، لا يقل أهمية عن العلوم الأخرى في قراءة الواقع واستشراف الاتجاهات المستقبلية.
وبذلك لا يمثل الكتاب إضافة جديدة إلى رفوف الدراسات التاريخية فحسب، بل يعكس توجهاً فكرياً يسعى إلى إعادة الاعتبار للتاريخ بوصفه علماً فاعلاً في الحياة العامة، وقادراً على الانتقال من سرد ما حدث إلى الإسهام في فهم ما يحدث والمشاركة في تشكيل ما سيحدث.
إنه كتاب يطرح سؤالاً يتجاوز حدود التخصص الأكاديمي: كيف يمكن تحويل خبرة الماضي إلى طاقة معرفية تساعد الإنسان على فهم عالمه بصورة أعمق؟ وهو سؤال يبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.



