عمر الجاسر في الغردقة.. حين يتحول الإرث العربي إلى مشروع للفن المعاصر

جدة – وائل العتيبي:
تستعد مدينة الغردقة المصرية لاحتضان اجتماع الجمعية العمومية للاتحاد العام للفنانين العرب، ضمن فعاليات الدورة الرابعة من مهرجان الغردقة لسينما الشباب، المقرر إقامتها خلال الفترة من 10 إلى 15 سبتمبر 2026، بمشاركة الدكتور عمر الجاسر، الأمين العام للاتحاد، ممثلًا للمملكة العربية السعودية.
ويأتي الاجتماع في توقيت تتزايد فيه الحاجة إلى الثقافة والفنون بوصفها أدوات قادرة على بناء الجسور بين الشعوب، وإعادة اكتشاف ما يجمعها من ذاكرة وإرث وتاريخ مشترك، إذ يتجه النقاش إلى مستقبل العمل الثقافي والفني العربي، وسبل الانتقال بالتعاون من مستوى الشعارات إلى مشاريع وأعمال إبداعية مشتركة تستلهم الإرث العربي وتعيد تقديمه للأجيال الجديدة بلغة معاصرة.
ويناقش الاجتماع عددًا من القضايا المرتبطة بمستقبل العمل العربي المشترك والتحديات التي تواجه الفنان والمثقف، إلى جانب بحث إمكانية إنجاز أعمال فنية تستند إلى إرث عربي أسهم على مدى قرون في تشكيل الوعي والحضارة، فضلًا عن الموضوعات المدرجة على جدول أعمال الجمعية العمومية.
وتحمل المشاركة السعودية دلالة خاصة في هذا السياق، فالمملكة من الدول المؤسسة للاتحاد منذ بدايات تأسيسه في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حين برزت الحاجة إلى إطار عربي يجمع الفنانين ويوحد جهودهم، ويمنح الثقافة والفن مساحة أوسع للتواصل والتكامل بين التجارب العربية.
ويأتي حضور عمر الجاسر امتدادًا لتجربة سعودية طويلة في المسرح والفنون، ارتبط خلالها بالحركة المسرحية في جدة، جامعًا بين التمثيل والإخراج والتأليف والإنتاج والعمل المؤسسي، كما تولى إدارة جمعية الثقافة والفنون بجدة، وشارك في مهرجانات وفعاليات فنية ولجان تحكيم داخل المملكة وخارجها، إلى جانب حضوره في المسرح والتلفزيون والإذاعة، وتكريمه بوسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الثانية تقديرًا لمسيرته وإسهاماته.

غير أن أهمية المشاركة لا تتوقف عند بعدها التمثيلي، بل تتجاوز الحضور الرسمي إلى التعبير عن موقع التجربة السعودية داخل مشروع ثقافي عربي يسعى إلى استعادة المشترك الحضاري وتوظيفه في صناعة إبداع جديد. فالإرث العربي، وفق هذه الرؤية، ليس مادة للماضي فحسب، وإنما رصيد حي يمكن للفنان أن يعيد قراءته وإنتاجه بما يتناسب مع أسئلة الحاضر وتحولات الإنسان العربي.
وتمنح استضافة الاجتماع داخل مهرجان مخصص لسينما الشباب هذه الرؤية بعدًا إضافيًا؛ إذ تلتقي السينما بالشباب وبالعمل الثقافي العربي في فضاء واحد، بما يفتح الباب أمام سؤال أكثر اتساعًا حول قدرة الأجيال الجديدة على حمل الذاكرة العربية إلى المستقبل، لا عبر استنساخ الماضي، وإنما بإعادة صياغته في أفلام ومسرحيات وأعمال فنية قادرة على مخاطبة الإنسان العربي والعالم.
ومن هنا، تبدو الوحدة الثقافية العربية مشروعًا يصنعه الإبداع أكثر مما تصنعه البيانات؛ فالفيلم والمسرح والعمل الفني قادر على منح الذاكرة صوتًا وصورة، وتحويل المشترك الحضاري إلى تجربة معاصرة تتجاوز حدود الجغرافيا، وتعيد وصل ما انقطع بين ماضي المنطقة وأسئلتها الجديدة.
وفي هذا المعنى، تأتي الغردقة بوصفها محطة جديدة في حوار عربي مفتوح حول مستقبل الفن والثقافة، وحول قدرة الفنانين العرب على تحويل الإرث المشترك من ذاكرة محفوظة إلى طاقة إبداعية حاضرة، تسهم في صناعة صورة أكثر اتساعًا للعالم العربي ومستقبله الثقافي.



