عام

مشكلة هذا الجيل.. الأهل قبل الأبناء!

بقلم – أمل محمد حيدر:

مدربة تحوّل تربوي

كلما ظهرت مشكلة سلوكية لدى الجيل الجديد، اتجهت أصابع الاتهام نحو المدرسة والمعلم والمناهج والتكنولوجيا، وربما نحو المجتمع بأكمله، بينما يغيب أحيانًا السؤال الأهم: أين مسؤولية الأهل؟

ما يلفتني في واقعنا التربوي اليوم ليس سلوك الأبناء وحده، بل موقف بعض الأهل من أخطائهم. فالمعلم متّهم بالتقصير، والإدارة المدرسية بالتشدّد، والمناهج بالتعقيد، والرفاق بالتأثير السلبي، وحتى المجتمع مسؤول عمّا يحدث، بينما يبقى الابن، في نظر أهله، ضحية دائمة لا يخطئ!

أصبحنا أمام نمط تربوي يخلط بين حماية الأبناء وتبرير أخطائهم. فبمجرد أن يوجّه المعلم ملاحظة سلوكية، تبدأ الاعتراضات والاتهامات، وكأن المدرسة مطالبة بتعليم الطفل وتربيته، ولكن من دون أن تحاسبه أو تطلب منه الالتزام.

والمفارقة أن بعض الأهل يطالبون المدرسة بتعزيز الانضباط والاحترام وتحمل المسؤولية، ثم يعترضون عندما تحاول تطبيق هذه المبادئ!

كيف نطلب من الطفل احترام معلمه، بينما يسمع أهله يهاجمونه باستمرار؟ وكيف ننتظر منه الاعتراف بخطئه، إذا كان يجد دائمًا من يبرّره ويلقي اللوم على الآخرين؟

في علم النفس التربوي، يتعلّم الطفل من السلوك الذي يراه بقدر ما يتعلّم من التوجيه المباشر. وعندما يشاهد أهله يحمّلون الآخرين مسؤولية أخطائه، فقد يكتسب تدريجيًا الميل إلى تبرير سلوكه بدلًا من مراجعته.

لكن المدرسة ليست معصومة عن الخطأ، والمعلم ليس فوق المساءلة. ومن حق الأهل الاعتراض، شرط أن يكون الاعتراض مبنيًا على الوقائع والحوار، لا على الاتهامات المسبقة.

فكيف نخرج من هذه الدائرة؟

تبدأ الخطوة الأولى من الأهل؛ بالاستماع إلى رواية الطفل دون اعتبارها الحقيقة الكاملة، والتواصل المباشر مع المعلم قبل إصدار الأحكام، ومناقشة الخلافات بعيدًا عن مسامع الأبناء، وتعليم الطفل الاعتراف بخطئه وإصلاح ما أفسده، بدلًا من الدفاع عنه في كل موقف.

أما المدرسة، فعليها أن تعتمد قواعد سلوكية واضحة ومعلنة، وأن تطبّقها بعدالة، وأن تتواصل مع الأهل بلغة مهنية بعيدة عن الاتهام والتصنيف. ومن الضروري أيضًا توثيق المشكلات السلوكية، والاستماع إلى جميع الأطراف، وإشراك الأهل في وضع خطط تربوية لمعالجتها، بدلًا من الاكتفاء بالعقوبات والشكاوى.

كما أن عقد لقاءات دورية للتوعية الوالدية، والاتفاق على آلية واضحة لمعالجة الخلافات، قد يحوّلان العلاقة بين البيت والمدرسة من المواجهة إلى الشراكة.

فالطفل لا يحتاج إلى أهل ينتصرون له في كل خلاف، ولا إلى مدرسة تفرض سلطتها دون حوار، بل إلى بالغين يتفقون على مصلحته، حتى عندما يختلفون في وجهات النظر.

قبل أن نسأل عن مشكلة هذا الجيل، علينا أن نراجع الطريقة التي نتعامل بها معه.

فإذا كان المعلم مخطئًا دائمًا، والمدرسة مقصّرة دائمًا، والمجتمع مسؤولًا عن كل شيء، فمتى يتعلّم أبناؤنا تحمّل مسؤولية تصرفاتهم؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى