أصالة: حفلتي في جدة من أجمل خمس حفلات في حياتي

أصالة :ما زلت أعود إلي جدة كلما أردت استعادة الفرح

جدة – وائل العتيبي:

في بعض الأحيان لا تكشف تصريحات الفنانين عن مشاعر عابرة بقدر ما تكشف عن علاقة طويلة نسجتها السنوات بين الإنسان والمكان. وهذا ما بدا واضحاً في حديث الفنانة أصالة عن جدة، المدينة التي لم تذكرها يوماً بوصفها محطة فنية عادية، بل كجزء من ذاكرة شخصية ومهنية تراكمت عبر الزمن.

وقبل صعودها إلى المسرح في أحدث حفلاتها بالمملكة، كتبت أصالة رسالة بدت أقرب إلى اعتراف وجداني منها إلى دعوة لحضور أمسية غنائية، قالت فيها: «يا الله لو تعرفوا شو مشتاقة لجدة وأهل جدة وقديش ذكرى آخر مرة كنا سوا بجدة لليوم ما فارقتني». كانت الكلمات كافية لتعيد فتح فصل طويل من العلاقة بين الفنانة السورية ومدينة ارتبط اسمها في السنوات الأخيرة بكبرى الفعاليات الثقافية والفنية في المنطقة.

ما يلفت الانتباه في خطاب أصالة تجاه جدة أنها لا تتحدث عن جمهور أو حفل أو نجاح جماهيري فحسب، بل عن ذاكرة. فالمدينة تحضر في تصريحاتها باعتبارها مكاناً للاحتفاظ باللحظات، ومسرحاً لتجارب إنسانية وفنية بقيت عالقة في وجدانها. لذلك لا يبدو الشوق الذي تعلن عنه بين الحين والآخر مجرد لغة ترويجية تسبق حفلاً جديداً، بل امتداداً لعلاقة متراكمة صنعتها اللقاءات المتكررة والسنوات الطويلة.

وربما تكشف أصالة عن جوهر هذه العلاقة حين تستعيد واحدة من أكثر ذكرياتها صدقاً مع المدينة. فقد أكدت أن إحدى حفلاتها السابقة في جدة تُعد من بين أجمل خمس حفلات عاشتها طوال مسيرتها الفنية، وهو تصريح يكتسب وزناً خاصاً حين يصدر عن فنانة تمتد تجربتها لأكثر من ثلاثة عقود واعتلت أبرز المسارح العربية والعالمية. لكن اللافت أن أصالة لم تتوقف عند حدود الإشادة بالحفل، بل ذهبت إلى ما هو أبعد حين قالت إن تلك الأمسية ما زالت مسؤولة عن «مزاجها الحلو»، وإنها تحب العودة إلى تسجيلاتها والاستماع إليها بين الحين والآخر، وكأنها تستعيد طاقة خاصة تركها ذلك اللقاء في روحها قبل أن يترك أثره في الجمهور.

وفي حديثها الذي سبق الحفل الأخير، كشفت أصالة جانباً آخر من سر هذه العلاقة حين تحدثت عن الطريقة التي يستقبل بها جمهور جدة أغانيها، مؤكدة أنها تحب هذا التفاعل الفريد مع أعمالها، وكيف تتحول الأغنيات إلى مساحة مشتركة بين المسرح والمدرجات. لذلك لم يكن مستغرباً أن تعد جمهورها في تلك الليلة بأنها ستتنقل بين القديم والجديد، في محاولة لرد التحية لجمهور حفظ معها محطات مختلفة من مشوارها الفني، من الأغنيات التي صنعت بداياتها إلى الأعمال التي تواصل من خلالها كتابة فصول جديدة من تجربتها.

ومن يتتبع تصريحات أصالة خلال السنوات الماضية يلاحظ أن السعودية عموماً، وجدة على وجه الخصوص، تحتلان مكانة استثنائية في سرديتها الشخصية والفنية. فقد تحدثت مراراً عن المملكة باعتبارها إحدى أهم المحطات المؤثرة في مسيرتها، ووصفتها في أكثر من مناسبة بأنها وطن احتضن تجربتها الفنية ومنحها محبة ودعماً لا تزال تتحدث عنهما بكثير من الامتنان. كما أكدت أن الجمهور السعودي كان شريكاً أساسياً في رحلة نجاحها، وأن ارتباطها به يتجاوز حدود العلاقة التقليدية بين الفنان وجمهوره.

لكن جدة بالنسبة لأصالة تبدو أكثر من ذلك. فهذه المدينة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز العواصم الثقافية والفنية العربية، أصبحت أيضاً مساحة تتجدد فيها علاقتها بجمهور يرى فيها صوتاً رافق تحولات أجيال كاملة. وبينما تغيرت صناعة الموسيقى العربية وتبدلت منصات الاستماع وأنماط النجومية، ظل اللقاء المباشر بين الفنانة وجمهورها في جدة محتفظاً بخصوصيته، وكأنه يعيد في كل مرة تأكيد قوة العلاقة التي لا تصنعها الأغنيات وحدها، بل تصنعها الذاكرة المشتركة والتجارب المتراكمة.

ولعل ما يمنح تصريحات أصالة صدقيتها أن المدينة لم تظهر في حديثها بوصفها حدثاً موسمياً أو محطة مرتبطة بموعد فني محدد، بل كحضور دائم يتكرر في كلماتها كلما اقتربت من جمهورها السعودي. لذلك لم يكن مستغرباً أن تتصدر عبارتها «مشتاقة لجدة وأهل جدة» أحاديث جمهورها، لأنها لامست شعوراً متبادلاً بين فنانة اعتادت العودة، وجمهور اعتاد استقبالها بوصفها واحدة من الأصوات الأقرب إلى وجدانه.

وبعد الحفل، بدا واضحاً أن ما جمع أصالة بجدة لم يكن مجرد ليلة غنائية ناجحة، بل قصة مستمرة بين مدينة تعرف كيف تحتفظ بفنانيها في الذاكرة، وفنانة تعرف كيف تعيد للمدن الجميلة مكانتها في القلب. فحين تصبح أمسية فنية واحدة قادرة على أن تبقى لسنوات «مسؤولة عن مزاج جميل»، وحين يتحول استقبال الجمهور للأغنيات إلى ذكرى تستعاد مراراً، فإن الحديث لا يعود عن حفل عابر، بل عن علاقة نادرة بين فنانة ومدينة وجمهور. علاقة جعلت من جدة بالنسبة لأصالة أكثر من محطة فنية؛ جعلتها جزءاً من سيرتها، وصفحة مضيئة لا تزال تُكتب مع كل عودة جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back To Top