عام

صحة نفسية أفضل تعني قلب بصحة أفضل

بقلم – أ. أنهار كمال:
أخصائي أول تمريض القلب

عندما نتحدث عن صحة القلب، غالبًا ما تتجه أفكارنا إلى ضغط الدم، ومستويات الكوليسترول، والتغذية الصحية، والنشاط البدني. ولكن هناك جانب لا يقل أهمية عن هذه العوامل، وهو الصحة النفسية، التي تؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في صحة القلب، وفي قدرة المريض على التعافي واستعادة جودة حياته.

بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، العاشر من أكتوبر من كل عام، من المهم أن نسلط الضوء على العلاقة الوثيقة بين الصحة النفسية وأمراض القلب، وأن نؤكد أن العناية بالقلب لا تكتمل دون الاهتمام بالحالة النفسية للمريض.

العلاقة بين القلب والصحة النفسية: تأثير متبادل

تشير الدراسات العلمية إلى وجود علاقة ثنائية الاتجاه بين أمراض القلب والاضطرابات النفسية؛ فالإصابة بأمراض القلب قد تزيد من احتمالية ظهور أعراض القلق والاكتئاب، وفي المقابل، قد تسهم الاضطرابات النفسية في زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب أو تفاقم الحالات القلبية الموجودة.

ما مدى انتشار الاضطرابات النفسية بين مرضى القلب؟

أظهرت إحدى المراجعات المنهجية أن الأعراض النفسية شائعة بين المرضى المصابين بأمراض القلب، حيث قُدّرت معدلات انتشارها على النحو التالي:

– 31.3% لأعراض الاكتئاب.
– 32.9% لأعراض القلق.
– 57.7% لأعراض التوتر النفسي.

وتعكس هذه الأرقام أهمية إدراج التقييم النفسي ضمن الرعاية الصحية الشاملة لمرضى القلب، وعدم الاكتفاء بمتابعة المؤشرات الجسدية فقط.

كيف تؤثر الحالة النفسية في التعافي من أمراض القلب؟

لا يقتصر تأثير القلق والاكتئاب على المشاعر والحالة المزاجية، بل قد يمتد إلى سلوكيات المريض الصحية وقدرته على الالتزام بالعلاج.

فقد تؤدي الأعراض النفسية إلى انخفاض الدافعية لممارسة النشاط البدني، وصعوبة الالتزام بالأدوية والمواعيد الطبية، واضطرابات النوم، والانسحاب الاجتماعي، وتراجع جودة الحياة.

كما قد تؤثر في مشاركة المرضى في برامج إعادة تأهيل القلب، التي تُعد من أهم التدخلات العلاجية لاستعادة القدرة الوظيفية وتقليل عوامل الخطورة القلبية.

وقد أظهرت دراسة شملت 5,908 مريض ارتباط الأعراض المتوسطة من الاكتئاب والقلق والتوتر بانخفاض الالتزام ببرامج إعادة تأهيل القلب، مما يؤكد أهمية التعرف المبكر على الضغوط النفسية وتقديم الدعم المناسب.

إعادة تأهيل القلب: رحلة للتعافي الجسدي والنفسي

لم تعد برامج إعادة تأهيل القلب الحديثة تركز على التمارين الرياضية وحدها، بل أصبحت تعتمد على نهج شامل يجمع بين التأهيل البدني، والتثقيف الصحي، وإدارة عوامل الخطورة، والدعم النفسي والاجتماعي.

ويؤدي فريق الرعاية الصحية متعدد التخصصات دورًا أساسيًا في مساعدة المريض على تجاوز المخاوف المرتبطة بمرض القلب، واستعادة ثقته بنفسه، والتكيف مع التغيرات الصحية ونمط الحياة الجديد.

كما يُعد التمريض المتخصص في إعادة تأهيل القلب عنصرًا محوريًا في هذه الرحلة، من خلال التواصل المستمر مع المرضى، والتعرف على علامات الضيق النفسي، وتقديم الدعم والتثقيف، وتوجيه المرضى إلى المختصين بالصحة النفسية عند الحاجة.



كيف ندعم الصحة النفسية لمرضى القلب؟

يبدأ الدعم النفسي بالاستماع إلى المريض وفهم مخاوفه، وإتاحة الفرصة له للتعبير عن مشاعره دون إصدار أحكام. ومن المهم أيضًا تشجيعه على المشاركة في برامج إعادة تأهيل القلب، وممارسة النشاط البدني الآمن وفق التوصيات الطبية، والحفاظ على التواصل مع الأسرة والأصدقاء، والاهتمام بالنوم والراحة، وطلب المساعدة المتخصصة عند استمرار أعراض القلق أو الاكتئاب أو تأثيرها في الحياة اليومية.

ولا ينبغي أن يشعر المريض بالخجل من طلب الدعم النفسي؛ فكما يحتاج القلب إلى العلاج والمتابعة، تحتاج الحالة النفسية أيضًا إلى الرعاية والاهتمام.

رسالة في اليوم العالمي للصحة النفسية

إن التعافي الحقيقي من أمراض القلب لا يُقاس فقط بتحسن نتائج الفحوصات أو استقرار المؤشرات الحيوية، بل يشمل أيضًا شعور المريض بالأمان، واستعادة ثقته بنفسه، وقدرته على العودة إلى حياته اليومية بجودة حياة أفضل.

ولهذا، فإن دمج الصحة النفسية ضمن الرعاية القلبية ليس جانبًا إضافيًا، بل جزء أساسي من الرعاية الصحية المتكاملة التي تتمحور حول المريض.

فلنتذكر دائمًا أن القلب لا يحتاج فقط إلى علاج يحافظ على نبضاته، بل يحتاج أيضًا إلى نفس مطمئنة تمنحه القوة لمواصلة الحياة.

في اليوم العالمي للصحة النفسية، رسالتنا لكل مريض قلب: صحتك النفسية جزء من صحة قلبك، والاهتمام بها خطوة أساسية نحو التعافي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى